بسم الله الرحمن الرحيم  "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً" صدق الله العظيم

 



استعادة خليل الوزير في الراهن الفلسطيني
 

 
 

بالتزامن مع الذكرى الحادية والعشرين لاستشهاد خليل الوزير (أبو جهاد) يوم 16 نيسان 1988، على يد وحدة خاصة إسرائيلية في تونس يتصاعد التوتر بين المدنيين الفلسطينيين والمستوطنين اليهود، حيث هاجم المستوطنون قبل أيّام المدنيين الفلسطينين في قرية صافا وبيت أمر في مدينة الخليل بالضفة الغربية، وذلك في سياق موجة جديدة من اعتداءات المستوطنين المتزايدة، ووسط حملات جديدة من الاستيطان خصوصا في مدينة القدس. ومقابل كل ذلك فإنّ رد فعل القيادة الفلسطينية ممثلة في كل من قادة حركتي "فتح" و"حماس" متواضع للغاية، ما يشجّع على التساؤل حول كيف كان الوزير سيقود الضفة الغربية في مثل هذه الظروف؟

ليس المقصود بهذا السؤال استذكار الشهيد وريادته وحسب، بل محاولة استعادة نهجه باعتباره عمودا فقاريّا للثورة الفلسطينية المعاصرة، وربما كان أكثر من جسّد القدرة الشعبية على المبادرة وعلى تطوير أساليب للصمود والنضال، وجسّد مقولة ياسر عرفات الشهيرة عن "طائر الفينيق الفلسطيني المنتفض من تحت الرماد"،  وذلك منذ بدأ الوزير خلاياه المسلحة الأولى عام 1958 في قطاع غزة، وهو في نحو سن السادسة عشرة، وصولا للعمليات النوعية الأقرب للخيال من إرسال المجموعات المسلحة عبر البحر من مثل عمليّة فندق سافوي عام 1975،  وعمليّة "كمال عدوان"، بقيادة الشهيدة دلال المغربي عام 1978، وصولا إلى عمليّة المفاعل النووي، ديمونا، قبل أسابيع من استشهاده، وربما الأهم من كل ذلك هندسة وتهيئة الأجواء لانتفاضة العام 1987.

أول انثيالات الذاكرة في سياق استذكار الوزير والحيرة أمام ضعف رد الفعل الفلسطيني القيادي الحالي في مواجهة المستوطنين والاستيطان حرص الوزير على الوحدة الوطنية، مقابل الاستهتار بها حاليّا. إذ أنّه وبحسب عدد من المصادر المنشورة فإنّه في اليوم الذي استشهد فيه الوزير كان مقررا سفر عدد من القادة الذين تم إبعادهم للتو من فلسطين، من كل من حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي". وكان مقررا وصولهم إلى تونس للقاء الوزير بناء على مبادرة الأخير لمناقشة سبل توحيد أطر العمل وتحقيق الوحدة الوطنية، وإمكانية انضمامهما للقيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة. وبغض النظر عن درجة دقة هذه المعلومات، التي يجدر للمعنيين فيها وممن لا زالوا على قيد الحياة تأكيدها أو توضيح ملابساتها، فإنّ من أهم ما يفتقده الفلسطينيون حاليا هو استعداد قياداتهم السابقة للوحدة الوطنية، فحركة "فتح" واليسار الفلسطيني ممثلا بشكل خاص في الجبهتين الشعبية والديمقراطية كانوا قادرين في اللحظات الحرجة على التسامي على خلافاتهم. وفي زمن ياسر عرفات وأحمد ياسين، ربما لم تصل العلاقات بين فتح وحماس درجة من الوحدة أو حتى التنسيق ولكنهما كانا قادرين  على منع المواجهة المفتوحة وعلى إيجاد وسائل للتعايش.

عدا الوحدة الوطنية، فإنّ القدرة على التكيّف وابتداع وسائل جديدة للمقاومة كان من أهم ميزات الوزير، خصوصا في مرحلة ما بعد الخروج من بيروت عام 1982. وهنا أتذكر ما أبلغني به أحد نشطاء العمل النقابي الفلسطيني عن ترتيب أبو جهاد للقاء عدد من القيادات النقابية والشعبية سرا أواسط الثمانينيات خارج فلسطين، وكيف أنّه أمضى ساعات وهو يشرح أهمية النضال بالحجر والنضال بوسائل مدنية وأهمية الانتفاضات المدنيّة. ومن شبه المعروف الآن، أنّه ومنذ الخروج من بيروت عام 1982، انتهج الوزير خطة "العودة إلى الداخل"، بواسطة بناء شبكات نقابية واجتماعية ورياضية وسياسية. وكان الوزير في الأشهر القليلة التي قاد الانتفاضة فيها حريصا على التمييز بين الوسائل المدنية للصراع وبين عسكرة الانتفاضة وضرورة عدم الوصول للعسكرة، وحصر العمل المسلح في مناطق فلسطين المحتلة في العام 1948، وضمن عمليّات نوعيّة لأهداف مدروسة، ومن أسباب الحرص على عدم العسكرة هذه، كان تجنيب الشعب الفلسطيني العقوبات الجماعية، وتجنيبهم مواجهة غير متكافئة، وعدم إعطاء مبررات لآلة الحرب الصهيونية لارتكاب جرائم تطهير عرقي، وعدم فقدان التعاطف الدولي مع الطابع الشعبي للمقاومة. بهذا المعنى كان نهج الوزير استغلال عوامل التوتر لزيادة التعبئة الشعبية وإيجاد حالة نضالية في سعيه آنذاك لسلسلة من الانتفاضات المتلاحقة، دون أن يصل طموحه وقتها لانتفاضة مستمرة شاملة كالتي فاجأ الفلسطينيون فيها العام  1987. ومقارنة بالموقف الحالي، نجد موقفين رئيسيين للقيادة الفلسطينية تم إعلانهما تعقيبا على اعتداءات المستوطنين، الأول أعلنه سلام فياض، رئيس الوزراء في حكومة رام الله أن "هذا الاعتداء يثبت حاجة الشعب الفلسطيني لحماية دولية"، واصافاً اعتداءات المستوطنين بـ "الارهابية". وقال: "وجودهم على أرضنا غير قانوني، فما بالكم حين يترافق مع أعمال ارهابية من هذا النوع". والموقف الثاني لحركة "حماس" وهو يكاد يتطابق في شقه الأول مع موقف فياض، إذ دعا طاهر النونو، الناطق باسم حكومة حماس، في غزة إلى "التدخل العاجل لحماية الفلسطينيين من هذه الهجمات الغادرة التي يقوم بها المستوطنون في الضفة". أمّا الشق الثاني من موقف "حماس" فعبّر عنه فوزي برهوم، الناطق باسم "حماس"، قائلا إنّ "هذا العدوان ما كان له أن يحصل لولا تكبيل أيادي المقاومة من قبل سلطة رام الله، واستمرار التنسيق الأمني وسحب سلاح المقاومة"، مطالباً بـ"إطلاق العنان لها".

وإذا كان لا يمكن توجيه اللوم لفياض، لأنّ موقعه الحكومي وحقيقة عدم وجوده على رأس تنظيم شعبي أو فصيل يجعل من غير المتوقع منه موقفا مختلفا، فإنّ اللوم يوجه بالدرجة الأولى لحركة "فتح" التي لم تبلور وسائل مقاومة واحتجاجات مدنية تناسب الوضع الراهن، وتسمح بتطور تحركات شعبية مدروسة الاتجاه والحجم، ولا تقوم بما يجب لمواجهة الاستيطان، كما لا تستغل مثل حالات التوتر هذه لتحقيق التعبئة الشعبية، ولفت أنظار العالم لخطورة المخطط الاستيطاني. ومن ثم يوجه اللوم لحماس، بسبب سياساتها في استغلال أي موقف لتوجيه الانتقاد للطرف الفلسطيني الآخر واتخاذه ذريعة لعدم القيام بما يجب القيام به، وبسبب استمرارها في تصوير وسائل النضال بأنها المقاومة المسلحة وحسب، ودون الإقرار والعمل على تطوير وسائل مقاومة جماهيرية واسعة في مواجهة المستوطنين. ودون الإقرار أنّ التحدي الذي يشكله المستوطنون يحتاج لوسائل مواجهة غير المواجهة المسلحة، ودون الإقرار أنّ المستوطنين أنفسهم يتوقون ويقومون باستفزازات لدفع الجانب الفلسطيني لمواجهات مسلحة، لأنها مواجهات غير متكافئة، ولأنّهم يتمكنون من تحقيق دعم دولي ويهودي عالمي أساسي في أعقابها. لقد كانت أحد أسباب أهمية خليل الوزير القدرة على تشخيص وابتداع وسائل نضال مناسبة للحدث.

قصص أخرى تتبادر للذاكرة بِشأن اهتمام الوزير بالإعلام. إذ يكشف فتحي البس، صاحب دار نشر الشروق، في عمّان ورام الله، في كتابه "انثيال الذاكرة"، كيف كان الوزير يوكل لشباب من الجامعات اللبنانية إصدار نشرات ومجلات متخصصة بشؤون الأرض المحتلة، تعزز الحالة النضالية هناك. وقد سألت أحد أعضاء اتحاد الصحافيين الفلسطينيين قبل أشهر عن كيفية بدء حياته الصحافية، وذلك لعلمي بأنّه بدأ يدخل المعتقلات في سن مبكر، فأجابني أنّ خليل الوزير في منتصف الثمانينيات طلب من قيادات الداخل ترشيح عدد من الشباب المناضل الذي يمتلك الاستعداد للتعلم لإيفادهم خارج فلسطين لعدد من الأشهر لتلقي دورات في الإعلام والصحافة لتأهيلهم ثم إعادتهم للعمل في مؤسسات الإعلام في الأراضي المحتلة لتحويل الإعلام إلى جزء من حركة شعبية نضالية. وهكذا بدأت مسيرة عدد من الإعلاميين، الذين يرون الآن أن إقفال عدد من الصحف ووسائل الإعلام بعد عودة السلطة الفلسطينية، ومن ضمنها المجلات التاريخية الفلسطينية المشهورة مثل "فلسطين الثورة" واستبدالها بصحف ومحطات تلفزيون هزيلة أواسط التسعينيات قضت على احتمال تطور إعلام فلسطيني متطور. وقصص الإعلام هذه تتبادر للذاكرة لأنّ الإعلام الفلسطيني الفتحاوي والحمساوي منقسم وجل اهتمامه التحريض ضد الطرف الفلسطيني الآخر، مع غياب كامل عن الإعلام الدولي إلا من أصوات بعض الأفراد من أمثال مصطفى البرغوثي وحنان عشراوي ونشاطات أمثال علي أبو نعمة، مؤسس موقع الانتفاضة الإلكترونية.

وأخيرا فإنّ غياب واندثار مركز الأبحاث الفلسطينية، ومركز التخطيط في المنظمة، واختفاء الدوريات العلمية والفكرية البارزة من مثل "شؤون فلسطينية" كلها توضّح جزئيا لماذا لا يوجد من يحاول توثيق وتحليل نهج خليل الوزير وأمثاله من كل الفصائل والاتجاهات وتمثل وتطوير المصيب مما قاموا به وتجنب الأخطاء. كما توضح لماذا لا يوجد من يحاول التخطيط استراتيجيا للنضال الفلسطيني، بدل الانشغال في المواجهة الفلسطينية الداخلية، والغرق في مشاريع قصيرة المدى، من مثل تركيز سلطة رام الله على التفاوض دون أي خطط بديلة أو موازية للتفاوض، ومن مثل تركيز "حماس" كل خططها وتحركاتها على وضعها في قطاع غزة، وعلى فتح المعابر والحصول على الشرعية الدولية لحكومتها، والتهدئة مع إسرائيل، دون الإجابة عن السؤال الاستراتيجي: ماذا بعد ذلك؟!

جريدة الفد

 
 

 
 

 

 
     
     
     

  مقالات عن أبوجهاد

 

 

التوقيع في دفتر الزوار مواقع فلسطينية حقوق النشر محفوطة لشركة سيداتا