بسم الله الرحمن الرحيم  "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً" صدق الله العظيم

 

 

 

قديس الثورة

     
 

لا يليق الحزن بشعب مثل شعبه، فحياة هذا الصقر الفلسطيني، الحافلة بعذاب الفكرة والحلم والميلاد، كانت وتكون وستكون صرخة مدوية ضد الحزن.  يليق بهذا الصقر الفلسطيني الغضب الوطني، أيام للغضب، أشهر للغضب، سنوات للغضب، العمر كله غضب، فلا لهذا الحزن الذي لا تحبه والذي ترفضه طريقاً لإستعادتك طريقاً لمواصلتك، طريقاً لتحقيق حلمك.  الصقر الفلسطيني، وهو الذي كان في أعماق قلبه عُصارة حزن وألم وأسى، علّمنا القوّة من دموع الأطفال في المخيمات، وحوّلها إلى درع وقذيفة.
ليس أمامنا غير طريقه، الكبرياء العصيبة على الجبروت الكلي.
نعم مفجوعون ، ولكن بكبرياء.

 
 

ونترك للريح أن تكون حزينة ونسمح لأنفسنا بمزيد من الغضب، فليس أمامنا غير حياته دستوراً ونبراساً لحياتنا. عندما وقع ما وقع يوم 16 نيسان، عيوننا صارت أنهاراً، فلقد بكينا الرجل الذي لا تنزل دمعته قط طوال حياته التي نعرفها، كان يبكي في داخله، وكان الألم يمزّقه وهو صابر، صامد، عنيد، يهز كتفيه ويقول "بسيطة يا أخ".

 
 

كان عصي الدمع شيمته الصبر.

 
 

وكان يبحر بعيداً ، ويطير ويخترق السحب، ويذهب نبياً في صحراء.  ويعود إلينا برقاً يلمع، نجماً هادياً، في التيه والليل الطويل.

 
 

إن الكبرياء لا تمنعني من الإعتراف بقسوة غيابك، وفقط في حالتك لا تؤدي اللغة دورها، لغتنا تصفنا، أنها نسبية، وأنت (حياً)، وأنت الآن كذلك (حياً) وستظل كذلك (حياً)، حلمت بالمطلق، وها أنت الآن تتحد به، اللغة لا تصلك، ولأنك العناد ذاته، والصبر ذاته، والحركة، والعمل، والحلم والواقع، فقد سقطت دائماً  وبعيداً عنك، الكلمات الكبيرة لكوارثنا.  وأنا على يقين أنك الآن تلوذ بالصمت كعادتك، وتخفي غضبك عنا، لتفجّره في وجه أعدائنا.

 
 

إن أبناءك في الإنتفاضة ساروا على خطاك، فقد رفعوا أعلاماً سوداء وفجرّوا الأرض تحت أقدام المحتلين، وكان يوم السادس عشر من نيسان عام 1988، يوماً مشهوداً، ويقول أبناؤك أنهم يعاهدون روحك على الغضب، وأن فلسطين وطنك، وطنك وحدك.

 
 

الآن تذهب، ونحن نبحث عنك، نتابع أخبارك نسترد بها وطناً ضاع، وحلماً تحطّم، وليس العالم على ما يرام، وليس الفلسطينيون على ما يرام، نعم وقعت كارثة لنا، ولكن عليك أن تصبر علينا بعض الوقت وأن تُمهلنا لبعض الوقت، ولا نقول وعداً، فلم تكون تحب الوعود، كنت سيد الزمن، وسيد المكان، فكنت العمل، وكنت الوعد الحق.

 
 

وقد جرت العادة في الماضي أن نطلق العنان لوصف المستحيل حين يقهرنا الممكن، وما كان يعتبر حلاً سحر ياً مستحيلاً في الزمن الذي مضى قبل حياتك صار في حياتك أمراً سهلاً ويسيراً وبسيطاً جداً، مألوفاً وليس خارقاً، فالبطولة في مفهومك، أمر عادي جداً، وليس من مواصفات خاصة للبطل، فالبطولة عمل إنساني، ولا شئ يمنع طفل المخيمات أن يكون بطلاً، ولا شئ يمنع الفدائي أن يكون بطلاً، ولا شئ يمنع الفلاح والعامل والمثقف والرجل والمرأة والشيخ، أن يكتبوا أسماءهم في سجل الأبطال، واسمح لي الآن ولكن بعد الكارثة أن أعترف بأنك في بساطة حياتك حفرت الصخر بأظافرك، والآن ها هو شعبك بأكمله يحفر الصخر، والهيكل ينهار، والمعبد يسقط، رجل مجبول على العمل والصبر، وبنداء التاريخ، ومسكون بحس المهمة التاريخية، وما ممن قوة فينا أو في غيرنا، كانت قادرة على تغيير هذا الرجل، فقد كان قاطرة تدر التاريخ إلى الأمام، وإذا كان الوقت مبكراً رداً على فتح سجل حياته، ودراسة أقواله وأفعاله وتقديم مفهومه الهائل للثورة وللسياسة وللكلمات وللتحليل الواقعي والنقدي لكل المعطيات، فانني أسجل هنا، انه رجل المهمة التاريخية المسكون بالعمل والصبر، والمثابرة، والجلد والجهد، والصلابة العنيدة، لم يكن يشغله عن فلسطين شاغل، وبالنسبة إليه، لم يكن هناك مكان صالح للعمل وآخر لا يصلح، فالعمل هو الحياة، والإنقطاع عن العمل أو العجز عن العمل، كان بالنسسبة إليه ماضياً لن يعود أبداً، فالفلسطينيون ليسوا أسرى المكان والزمان، أنهم أسياد المكان والزمان، وبفعل هذا الرؤية المستحيلة والواقعة ضاقت به الأمكنة، دون أن يتوقف لحظة واحدة عن العمل؟.

 
 

يحمل المفاجأة، والبشارة ويمضي إلى العمل

 
 

يرى الطريق الطويل من أوله إلى آخره، ويسير في تخومه الصعبة المسالك طاوياً صفحة اليوم الذي صار ماضياً

 
 

يأتي إلينا بالنشيد فيزعزع الجمود ويعيد الحركة ونعود معها إلى الواقع والحياة ويمضي إلى العمل، "فحركة فتح هي حركة عمل، وليس غير العمل طريقاً لحياة فتح"

 
 

الوقت ينقصه دائماً، فالوقت لا يكفي لحلم أفكاره وترمتها، ولهذا يضيق ذراعاً بالاجتماعات الطويلة دون أن يعبر عن ضيقه مطلقاً، وحين يطمئن قلبه إلى وصول الفكرة الصحيحة إلى الوعي، يغادر المكان على رؤوس أصابعه متوجهاً إلى محراب العمل، وميدانه، ليركِّب المعادلات من جديد، حتى تصبح الفكرة عملاً.

 
 

ولأن هذا الرجل البسيط المتواضع كرّس حياته للعمل، وحده، فليس هناك من ثوري سعى إلى العمل من أجل شعبه إلاّ وكان على صلة وثيقة مع "أبو جهاد"، الذي لم يكن متطلباً مطلقاً قبل بدء العمل لشروط نظرية، "ليست أكثر من تريد للواقع

 
 

يبتعد عن التجريد والتنظير، ويعيش الواقع بكل تفاصيله، فالتريد والتنظير يعكسان ضبابية في منهاج العمل، وما دام في خضم الحياة ذاتها، وفي قلب العمل بالذات، فقد اختلفت مقاييسه كلية، يمسك بالقلم والورقة، ويضع مشروع العمل، وكانت مفاجأة مذهلة للعديد من الثوّار الطريقة التي عاملهم بها "أبو جهاد"، تكفي الدرجة الدنيا من الوضوح لمباشرة العمل.  ورغم هذا التكريس الأبدي لفكّره ولحياته ولوقته من أجل عمل ساطع بإتجاه الوطن، فلم يكن ليغيب عن حياة الثورة في الساعات الصعبة، وإذا بهذا الصوفي المتصوِّف، المتعبِّد في محراب العمل، يتكشّف عن قدرات خارقة لإعادة اللحمة والمحبة إلى القلوب والصفوف

 
 

من منكم اختلف معه ولو لمرة واحدة؟

 
 

من منكم لم يجد عنده فرصة للعمل؟

 
 

من منكم لم تأخذه الدهشة والحيرة في الساعات الصعبة، ويستمع إليه  يجد المخرج، ويذلل الصعاب، ويأتينا بنقاط اللقاء

 
 

مرّت الثورة في المحن القاسية، ومرّ رجالها وسط الخضم بالمفارقات المخيفة، ولكن قدّيس الثورة، لا يعترف بذلك مطلقاً، بل يضمّد جراحه النازفة، وينطلق لرد الهجمة المضادة ضدّ الوحدة

 
 

في مقره في مخيم البداوي أيام الحصار الصعب، كان يجلس، وتساقطت عدة قذائف مستهدفة مقره بالذات وشخصه بالذات، تحرّكنا من المكان، وكان يخجل من الإنفعال المفاجئ أمام الصدمة، يتريّث في حركته لتبدو عادية، ليرفع الإضطراب عن مقاتليه، وحين عدنا إلى المكان كانت الأوراق الممزقة تلفت إنتباهي، وأمسكت بورقة مكتوبة بخط يده، وفعلاً ذهلت وأنا أقرأ تلك الرسالة الموجّهة من "أبو جهاد" لى رئيس عربي، حين سألته عنها قال: "لن أدّخر وسعاً لوقف هذا الإقتتال، العدو الإسرائيلي وحده يستفيد من هذه المعارك في طرابلس والشمال".  ونحن كلنا عرب، والعرب بجهة واحدة ضد "اسرائيل" وعلى الدوام رفض أبو جهاد هذا الاقتتال المفتعل، ودافع عن الثورة بالقدر الذي يسمح بوقف الاقتتال، وحين كان يصله خبر عن جهود عربية لوقف الاقتتال، ان يفرح من كل قلبه، ويقول: "هذه ضربة للعدو الإسرائيلي".

 
 

لم يترك لحظة في حياته تمر دون أن يبني وحدة مقاتلة في ساحتنا الفلسطينية، وفي عدن، عندما بدأ الحوار الوطني، كان يترأس جلسات الحوار، وكان عليه أن يستمع لكل شئ، قد لا يخطر اليوم على بال أحد، وبهدوء مذهل كان يكتب ما يسمع، وبمحبة الأب لأبنائه كان يناقش الأخوان، وبالتفاني وحده، كانت فكرته عن شعبه وعن ثورته وعن الوحدة الوطنية وعن البرنامج السياسي هي أساس عودة الجميع إلى البيت الفلسطيني. من حقنا أن نضع البرنامج الذي يوحّدنا على أساس التحرير، ولا مانع لديه من تسليط النقد ضد أخطاء الماضي، ولا مانع لديه مطلقاً، ما دام الجميع سيعودون إلى الوحدة، وإلى البيت وإلى العمل، أن يتقبّل انتقاد الأخوة بصدر رحب.

 
 

ولهذا فلماذا نضيّع الوقت في المماحكات العقيمة؟ تعالوا نبدأ الآن من جديد، أنظروا كم خسرنا بالفرقة وكم ربح العدو، وهدفنا جميعاً فلسطين، والعمل وحده طريقنا، فتعالوا نضع برنامج العمل على الفور.

 
 

وقد لا يكون معروفاً الآن، أن "أبو جهاد" كان يفاجئنا جميعاً باتفاقاته الوحدوية عندما يلتقي باخوانه من قادة المنظمات الفدائية، ولكنه "أبو جهاد" الذي يستحيل أن نقول له "لا"، وتثبت الأيام بعد ذلك، أن ما سعى إليه كان نتيجة تقدير صحيح للوضع وللموقف، حين كنا نراجعه في الصيغ الجديدة التي وافق عليها مقارنة بالصيغ المتفق عليها سابقاً، كان يهز كتفيه ويقول كلمته المشهورة "بسيطة يا أخ، فالمهم أن نستعيد وحدة البيت الفلسيطيني"

 
 

ورغم أن الأرض العربية بما رحبت قد ضاقت به، وأن الأمكنة لم تعد تتسع له، فانه ظل على قناعته الراسخة، بأنه حتى في ظل أسوأ الأوضاع العربية، يجب أن يقع عمل ضد "اسرائيل".  وكان بارعاً في تدبير أمور العمل حتى وهو يجري محادثات رسمية مع الرؤساء مع الوزراء ومع المختصين، فلم يكن يشغله شاغل مهما بدا عظيماً في نظر الآخرين عن زرع عبوة في الأرض المحتلة، وعن عقد اللقاءات مع الذين يعملون في الأرض المحتلة، فيي المطار وفي الفندق وفي الطائرة، وفي قصر الضيافة، وأمام الناس وفي السر، وفي العلن كان لا يفكر بغير العمل، وبغير أولئك الذين يتحمّلون مشقة انجازه على الوجه الأكمل.

 
 

لهذا ضاقت الأرض العربية به، ولم تعد الأمكنة تتسع له، لأنه لا يكل ولا يمل، ولا يهدأ ولا ينام، حتى يحرك ساكناً في هذا الكون الذي يتسع للظلم الذي وقع على شعبه. عدوّه السكون والعجز عن العمل في وجه الظلم الذي لحق بشعبه، مع كل تقديره العميق والصادق للأفراد وللقوى ولظروفها، كان مؤمناً على الدوام بهامش يصل إليه ليزرع عبوّة في الأرض المحتلة.

 
 

هذه الحياة الحافلة لم تذهب هدراً، إنها الآن حياة الشعب كله، حياة الرجال والنساء والشيوخ والصغار، كل يعمل، وكل لديه القدرة على العمل، إن الشعب الذي يثور الآن بالحجارة وبالصدور العارية قد عرف طريقه يا أبا جهاد، فلا خوف عليه، فأنت تملأ وجدانه، تملأ عقله، تسير معه ويسير معك، والذي يعرفون هذه الحقيقة الحتمية، حاربوك جميعاً حتى لا تنتصر، لأن انتصارك تغيير في العالم، ولكن القافلة تسير، وأنت على رأس القافلة، ولن أتحدّث عن دمك الذي في أعناقنا جميعاً، لن أعدك، ولن يعدك أحد، فأنت تكره الوعود، وتعشق العمل الذي صنع الثورة وصنع الإنتفاضة، مجدك إلى الأبد.

 

الآن تستمر الإنتفاضة كما لو أنت لم تسافر هذا السفر الطويل، فلا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة.

 

وإذا كانت الثورة حياتك وليس لحياة أخرى غيرها كما تعرف ونعرف فإن الثورة تستمر.

 
 

وإذا كانت الاتفاضة حياتك وليس لك حياة غيرها، كما تعرف ونعرف فالانتفاضة مستمرة، ويبرهن أبطالها يومياً عن جدارة تليق بك وتليق بالثورة وتليق بالانتفاضة.

 
 

علّمتنا كيف نكبر على الجراح، ولكن جرحك عميق، فكيف نقفز فوق الجسر الآن؟ إنه العذاب الإنساني الذي كنت تخفيه عنّا جميعاً، وتقف صامداً وصامتاً أمام العواصف الهواء، وتقتحم الجسر وتفتح الطريق.

 
 

الآن تذهب إلى الوطن بعد أن مهّدت كل الطرق، وذللت كل الصعاب، وفينا روح ومعنا دستورك، ومعنا مسيرة حياتك.

 
 

بدأت من نقطة الصفر لتوصل شعب وتصل إلى نقطة اللاعودة في الصراع من أجل الوطن، بعدك الماضي الذي كرهته لن يعود، فخطك البياني في صعود، وأعداؤك يهبطون إلى القاع المظلم، بطولة عارية تحدّث التاريخ الزائف، وانتصرت.

 
     
 

أحمد عبد الرحمن

 
     
     

أول الرصاص أول الحجارة

الكفاح المسلح والنضال

وثيقة دستور الانتفاضة

بيانات الانتفاضة

كلمات الشهيد

أبو جهاد ومرارة الحرية

النداءات

آخر حديث صحفي

الرسالة الأخيرة

 

 

التوقيع في دفتر الزوار مواقع فلسطينية حقوق النشر محفوطة لشركة سيداتا